محمد بن جرير الطبري
143
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
رحمة الله إليه غضبه وسجدت له الملائكة غيري ؟ فيقولون لا . قال : فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا ابني إبراهيم قال : فيأتون إبراهيم عليه السلام فيسألونه أن يشفع لهم عند ربه ، فيقول هل تعلمون من أحد اتخذه الله خليلا ؟ هل تعلمون أحدا أحرقه قومه في النار في الله غيري ؟ فيقولون : لا فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا ابني موسى فيأتون موسى عليه السلام فيقول : هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليما وقربه نجيا غيري ؟ فيقولون : لا ، فيقول : ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا عيسى فيأتونه فيقولون : اشفع لنا عند ربك فيقول : هل تعلمون أحدا خلقه الله من غير أب غيري ؟ فيقولون : لا ، فيقول : هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله غيري ؟ قال : فيقولون : لا ، قال : فيقول : أنا حجيج نفسي ، ما علمت كنه ما أستطيع أن أشفع لكم ، ولكن ائتوا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فيأتوني ، فأضرب بيدي على صدري ثم أقول : أنا لها . ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش ، فأثني على ربي ، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط ، ثم أسجد فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، سل تعطه ، واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول : رب أمتي فيقال : هم لك . فلا يبقى نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا غبطني يومئذ بذلك المقام ، وهو المقام المحمود " . قال : " فآتي بهم باب الجنة فأستفتح ، فيفتح لي ولهم ، فيذهب بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة ، حافتاه قضب من ذهب مكلل باللؤلؤ ، ترابه المسك ، وحصباؤه الياقوت ، فيغتسلون منه ، فتعود إليهم ألوان أهل الجنة وريحهم ، ويصيرون كأنهم الكواكب الدرية ، ويبقى في صدرهم شامات بيض يعرفون بها ، يقال لهم مساكين أهل الجنة " . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك ، قال : إن الله أدخلهم بعد أصحاب الجنة ، وهو قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ يعني أصحاب الأعراف . وهذا قول ابن عباس . فتأويل الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن ابن عباس ، ومن ذكرنا قوله فيه : قال الله لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا : الأموال مكاثرة ورياء : أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا ، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : قد غفرت لهم ورحمتهم بفضلي ورحمتي ، ادخلوا يا أصحاب الأعراف الجنة ، لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تعاقبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام ، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم وقال أبو مجلز : بل هذا القول خبر من الله عن قيل الملائكة لأهل النار بعد ما دخلوا النار تعييرا منهم لهم على ما كانوا يقولون في الدنيا للمؤمنين الذين أدخلهم الله يوم القيامة جنته . وأما قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ فخبر من الله عن أمره أهل الجنة بدخولها . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن سليمان التيمي ، عن أبي مجلز ، قال : نادت الملائكة رجالا في النار يعرفونهم بسيماهم : ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ؟ قال : فهذا حين يدخل أهل الجنة الجنة ؛ ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون . القول في تأويل قوله تعالى : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن استغاثة أهل النار بأهل الجنة عند نزول عظيم البلاء بهم من شدة العطش والجوع ، عقوبة من الله لهم على ما سلف منهم في الدنيا من ترك طاعة الله وأداء ما كان فرض عليهم فيها في أموالهم من حقوق المساكين من الزكاة والصدقة . يقول تعالى ذكره : ونادى أصحاب النار بعد ما دخلوها أصحاب الجنة بعد ما سكنوها أن يا أهل الجنة : أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي أطعمونا مما رزقكم الله من الطعام .